عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
53
الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )
العالم بمرات كثيرة ، ولو كانت من عالم الأرواح وحده لبقيت ببقاء الأرواح لكنها التحقت بالفناء بحكم الجسم عليها وتصورت لك ذلك التصوير بحكم الروح فيها فإن الروح واسعة . وهذا الذي ذكرناه لك هو سر ممتزج الأرواح بالأجسام ؛ لأنها تكتسب بواسطة الجسم كمالات لا يمكنها أن تكتسبها إلا به . ألا ترى إلى من ولد أعمى لا تعرف روحه كيفية الألوان ولا حسن الخلقة المكتسبة بالبصر ، فتذهب روحه وقد فاتها من الكمال هذا النوع من العلم بصنع اللّه تعالى لا يعرف أخبار الأنبياء وما وردت به الشرائع ، فيموت وقد فاته هذا النوع من صنع اللّه تعالى وبقدر ما يجهل من مصنوعاته يجهله من الكمال . وقد اكتسبت الكمالات بمالها من الجوارح والحواس غير السمع . فإذا فهمت سر الامتزاج بين الروح والجسد ؛ فاعلم أن الخيال هو مثل عالم البرزخ الذي تكون فيه الأرواح بعد مفارقتها الأجسام إلى يوم القيامة لأنها لا في دار الدنيا ولا في دار الآخرة ، وقد علمت بما ذكرنا المركبات العلمية . 2 - وأما المركبات العينية فكالأعراض التي هي تتواتر وتتوارد على الجوهر وتشهد الأعيان لتلك الأعراض بقاء ووجودا إذ ذلك البقاء هو مركب من أعراض كثيرة متواترة على الجوهر بالحقيقة ، فالجوهر أيضا مخلوق في كل نفس بحكم ذلك العرض خلقا جديدا فتتبدل الأجزاء بتبديل الكل ، ولهذا قالت الطائفة المحققون إن العالم مخلوق مع الأنفاس جديدا ، ويؤيد ذلك قوله تعالى : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : 15 ] ألا ترى البخار المجتمع تحت الأرض كيف إذا لم يجد منفذا يتغير فيصير ماء رجراجا ، ثم إذا صار فيه استعداد وقابلية من الأرض صار زيبقا فتبدلت ذاته فصارت محدودة بحدود ليست من حدود البخار ولا من حدود الماء ، بل كل من البخار والماء ، والزيبق محدود بحد آخر ولكل حقيقة متميزة عن حقيقة الآخر ، وهذا التغيير الذي وقع لو كان في زمان واحد لشوهد عيانا كما يقع في ماء الزاج والعفص ، ولكن هذا التغير شيئا فشيئا بحيث ألّا تدركه الحواس ، ولهذا التبس أمره على الخلق فصاروا في لبس من خلق جديد ، وهذه المركبات العينية تتركب بوجود أجزاء مجتمعة في البصر فيشاهد الناظر شيئا واحدا لقوة المثلية في الأجزاء والأعراض المختلفة المتواترة التي باختلافها تختلف ذات الجوهر عينه ، وقد استقصينا الكلام في هذا المعنى في كتابنا الموسوم ( بحقيقة الحقائق التي هي للحق من وجه ، ومن وجه للخلق ) فلنقتصر من ذكر ذلك على هذا القدر في هذا الباب ، واللّه الموفق لا رب غيره . 3 - وأما المركبات السمعية : فالكلمة تتركب من حروف كثيرة يسمعها الشخص شيئا